» السحب على الحجة المجانية للمسجلين في شهر رمضان1430هـ   » من استعدادت القافلة لحج هذا العام 1430هـ   » إزالة الحواجز عن قبور الائمة التي نصبت يوم الاربعاء الفائت   » هدية رحلة مكة لطاقم عمل أوبريت «هذا القرآن»   » المسعى الجديد بدأ باستقبال المعتمرين منذ بداية رمضان بسعة 118ألف معتمر بالساعة   » من فلسفات الحج   » في أيام عيد الفطر السعيد   » انطلاق موقع قافلة التقوى على بركة الله   » قافلة التقوى تعلن استمرار التسجيل لموسم حج هذا العام 1427هـ  
ألبوم الصور

سكن مكة
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
4415
من فلسفات الحج
آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
محرر الموقع - « موقع مكتبة الإمام أمير المؤمنين الموقع الرسمي لمكتب آية الله ناصر مكارم الشيرازي » - 12 / 9 / 2008م - 4:28 ص

نص الحديث:

   «يـاعَلِيُّ! تـارِكُ الحَجِّ وَهُوَ يَستَطِيعُ كَافِرٌ قَالَ الله تَبارَكَ وَتَعالى: (وَللهِِ عَلَى    النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) يـا عَلَيُّ مَنْ سَوَّفَ الحَجَّ حَتّى يَمُوتَ بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ يَهُودِياً أَو نَصرَانِياً»



شرح الحديث:

فلسفة الحج وأسراره العميقة:

مراسم الحج العظيمة ـ كسائر العبادات الاُخرى ـ لها بركات وأثار كثيرة على الفرد والمجتمع الإسلامي، فإذا اُنجزت بصورة صحيحة واستثمرت حسب برنامج معدّ يمكنها أن تكون كل سنة منشأ لتحوّل جديد في المجتمعات الإسلامية، وفي الحقيقة هناك أربعة أبعاد لمناسك الحج الكبيرة كل منها أعرق وأنفع من الآخر:

1 ـ البُعد الأخلاقي للحج:

إنّ أهم فوائد الحج التحوّل الأخلاقي الذي يوجد في الإنسان، مراسم «الإحرام» تخرج الإنسان كلياً من التعيّنات المادية والامتيازات الظاهرية والألبسة المتنوعة والزينة والحلي، ومع حظر اللذات والتوجه إلى تهذيب النفس التي تعتبر من وظائف المحرم ينفصل عن العالم المادي، ويدخل عالماً من النور والروحانية والصفاء، فيريح اُولئك الذين كانوا يحملون أعباء الامتيازات الموهومة والدرجات الرفيعة في الحالة العادية.

ثم تؤدّي مراسم الحج الاُخرى تلو بعض، تلك المراسم التي تحكم وتقوّي ارتباط الإنسان المعنوي مع خالقه لحظة بلحظة وتجعله أقرب إليه، فتفصل الإنسان عن ماضيه المظلم والمدنّس وتلحقه بالمستقبل الجلي والمليء بالنور والنقاء.

خصوصاً عندما يلتفت الإنسان إلى حقيقة أنّ مراسم الحج وفي كل خطوة تذكّر بالنبي إبراهيم محطّم الأصنام وإسماعيل ذبيح الله واُمه هاجر، ويتجسم جهادهم وعفوهم وتضحيتهم أمام أعين الإنسان، والالتفات أيضاً إلى أنّ أرض مكّة عموماً والمسجد الحرام والكعبة ومحل الطواف خصوصاً تذكّر بنبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الكرام(عليهم السلام) وجهاد المسلمين في الصدر الأول للإسلام، هذه الثورة الأخلاقية تصبح أكثر عمقاً إلى درجة أنّ الإنسان يرى صورة النبي(صلى الله عليه وآله)والإمام علي وسائر الأئمّة(عليهم السلام) في كلّ زواية من المسجد الحرام وأرض مكّة، ويسمع صوت دويّ ملحمتهم.

نعم، تظافر كلّ ذلك لتهيئة الأرضية لثورة أخلاقية في القلوب المستعدة، فتتقلب أوراق حياة الإنسان بصورة لا توصف ويبدأ صفحة جديدة في حياته، فليس سدىً نقرأ في الروايات الإسلامية: «مَنْ حَجَّ بصورة صحيحة يخرج مِن ذُنُوبه كمـا وَلدتْهُ اُمُهُ».

نعم، الحج ولادة أخرى للمسلمين، تولّد تبدأ معه حياة جديدة للإنسان، طبعاً ليست هناك حاجة إلى التذكير بأنّ هذه البركات والآثار لا تشمل الأشخاص الذين اقتنعوا بقشور الحجّ ونبذوا اللب، ولا الذين اتخذوه وسيلة للترفيه والسياحة أو للتظاهر والرياء أو لتهيئة الوسائل المادية ولم يدركوا روح الحجّ أبداً، ولا يهمهم إلاّ ما حصلوا عليه.

2 ـ البعد السياسي للحج:

حسب قول أحد فقهاء الإسلام، في الوقت الذي تمثل مراسم الحج أخلص وأعمق العبادات تعتبر أكثر الوسائل تأثيراً في تحقق أهداف الإسلام السياسية.

روح العبادة وروح الالتفات إلى الله، روح السياسة الالتفات إلى خلق الله، وقد امتزج هذان الاثنان حتى أصبح سدى الحج ولحمته الموحدة عاملاً مؤثراً لوحدة صفوف المسلمين.

الحج عامل لمكافحة العصبية القومية والتمييز والتقيد بسور الحدود الجغرافية، الحج وسيلة للتغلب على الرقابة وإزالة رقاد الحكومات الظالمة التي تحكم الدول الإسلامية الحج وسيلة لانتقال الأخبار السياسية بين النقاط المختلفة للدول الإسلامية، وأخيراً يعتبر الحج عامل مؤثر لتحطيم سلاسل الأسر والاستعمار وتحرير المسلمين.

لهذا السبب عندما كان جبابرة بني اُمية وبني العباس يحكمون البلاد الإسلامية المقدسة ويراقبون كل تحرك واتصال بين طبقات المسلمين حتى يقمعوا كل حركات التحرر فحلول موسم الحج يعتبر نافذة نحو التحرر والتقاء طبقات المجتمع الإسلامي الكبير مع بعضهم وطرح المسائل السياسية المختلفة، وبالنظر إلى هذه الجهة وعندما كان أميرالمؤمنين علي(عليه السلام) يعدّ فلسفة الفرائض والعبادات قال بشأن الحج: «شرع الله الحج لتقوية الدين الإسلامي».

ليس عبثاً واعتباطاً أن يقول أحد السياسيين الأجانب المعروفين في حديث مهم له:

«الويل للمسلمين إن لم يفهموا معنى الحج والويل لأعدائهم إن أدركوا معناه».

حتى في الروايات الإسلامية اعتبر الحج جهاد الضعفاء، الجهاد الذي يستطيع المسنّون والعجائز أيضاً أن يساهموا في انعكاس جلال وعظمة الاُمة الإسلامية من خلال حضورهم في الميدان، وبتشكيل حلقات المصلين المتداخلة حول بيت الله والهتاف بنداء الوحدة الكبير يرتعد أعداء الإسلام.

3 ـ البعد الثقافي للحج:

يمكن أن يعتبر ارتباط أقشار المسلمين المختلفة في أيام الحج أكبر عوامل التبادل الثقافي وانتقال الأفكار خصوصاً مع الالتفات إلى نكتة أنّ اجتماع الحج العظيم يعتبر ممثلاً طبيعياً وواقعياً لجميع طبقات وأقشار مسلمي العالم، لذا نقرأ في الروايات الإسلامية، أحد فوائد الحج نشر أخبار وآثار رسول الله(صلى الله عليه وآله) لجميع العالم الإسلامي.

يقول العالم هشام بن الحكم وهو أحد أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام): «سألت الإمام عن فلسفة الحج وطواف الكعبة، فقال: خلق الله هؤلاء العبيد... وأعطاهم أوامر في طريق مصلحة الدين والدنيا فقرر اجتماع الناس من الشرق والغرب ليتعرف المسلمون على بعضهم ويطّلعوا على أحوال بعضهم ، وينقل كل رهط ثروات تجارية من بلدة لاُخرى... ولأجل أن تعرف آثار النبي(صلى الله عليه وآله)وأخباره فيتداولها الناس ولا ينسونها أبداً».

لذلك عندما مرّ الإسلام بالمرحلة العصبية حين لم يسمح خلفاء وسلاطين الجور للمسلمين بنشر التعاليم الإسلامية، استفاد المسلمون من هذه الفرصة وكانوا يحلّون مشاكلهم، ويتوصلون إلى قوانين الإسلام الحقيقية وسنّة النبي الكريم(صلى الله عليه وآله)عن طريق الاتصال بأئمّة الهدى(عليهم السلام) وعلماء الدين الكبار.

ومن جهة اُخرى يمكن للحج أن يُبدّل إلى مؤتمر ثقافي عظيم ويجتمع علماء العالم الإسلامي لدى وجودهم في مكة فيقدّمون للآخرين ما لديهم من أفكار وإبداعات.

4 ـ البعد الاقتصادي للحج:

خلاف ما يتصور البعض، لا يعتبر الاستفادة من مؤتمر الحج العظيم لتقوية القواعد الاقتصادية للدول الإسلامية منافية لروح الحج فحسب، بل تشكل إحدى فلسفاته طبق الروايات الإسلامية، فما المانع من أن يؤسس المسلمون في هذا الاجتماع الكبير سوقاً إسلامياً مشتركاً، ويوفروا أرضية للتبادل التجاري بينهم بصورة لا تصبّ العائدات معها في جيب الأعداء من جهة، ومن جهة اُخرى لا يصبح اقتصادهم تابعاً للأجانب، ولا يعتبر ذلك حبّاً للدنيا بل هو عين العبادة والجهاد. لذا اُشير في نفس رواية هشام بن الحكم عن الإمام الصادق(عليه السلام) ضمن بيان فلسفة الحج إلى هذا الموضوع بصراحة، وأنّ أحد أهداف الحج تقوية تجارة المسلمين وتسهيل العلاقات الاقتصادية.

ونقرأ في رواية آُخرى عن الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير الآية 198 من سورة البقرة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ) أنّه قال:

«المراد من الآية الرزق، فعندما يخرج الإنسان من إحرامه ويودّي مناسك الحج يتبادل مع بقية الحجاج البيع والشراء في نفس الموسم، وليس في هذا الموضوع إثم بل فيه ثواب وأجر.

باختصار إذا استمرت هذه العبادة الكبيرة بصورة صحيحة وكاملة، واستفاد زوّار بيت الله الحرام في هذه الأيام التي يتواجدون فيها على هذه الأرض المقدسة وقلوبهم مستعدة من هذه الفرصة الكبيرة لحلّ مشاكل المجتمع الإسلامي المتعددة عن طريق تشكيل الاجتماعات المخلتفة السياسية والثقافية والاقتصادية، تستطيع هذه العبادة أن تكون حلالة للمشاكل من جميع الجهات، ولعل هذا السبب جعل الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «مادامت الكعبة قائمة فالإسلام قائم أيضاً».

وقال الإمام علي(عليه السلام) أيضاً: «لا تنسوا بيت اللهِ فان نسيتموه تهلكوا، الله الله في بيت ربّكم فلا يخلو منكم ما بقيتم فانّه إن ترك لم تناظروا وأدنى ما يرجع به من أمّه أن يغفر له ما سلف»

ولأهميّة هذا الموضوع فتح في الروايات الإسلامية فصل تحت عنوان إذا أراد المسلمون تعطيل فريضة الحج لسنة واحدة وجب على الحكومة الإسلامية أن ترسلهم إلى مكّة بالإجبار.